الجمعة، 22 أبريل 2022

السينما الموريتانية: الماضي والحاضر

 على خلاف كثيرٍ من البلدان العربية، انطلق الإنتاج السينمائي في موريتانيا متأخّراً وظلّ يسير ببطء شديد. ساهمت في ذلك ثقافة الشفاهة التي شكّلت سدّاً منيعاً في وجه ثقافة الصورة، وأيضاً، نظرة الارتياب التي ترى في الفن السابع "وسيلة لتسويق أنماط ثقافية دخيلة على المجتمع".

يُضاف إلى ذلك غياب بنية تحتية في مجال السينما؛ فالعاصمة نواكشوط التي كانت تضمّ أكثر من 15 قاعة عرض في السبعينيات والثمانينيات، لم تعد تتوفّر، اليوم، على أيّة واحدة منها، شأنُها في ذلك شأن بقيّة المدن الداخلية.
يُحمّل المخرج السينمائي، عبد الرحمن أحمد سالم، الدولة مسؤولية هذا الوضع، قائلاً إنها رفعت يدها تماماً عن مجال السينما، ومذكّراً بإيقاف "إدارة السينما" في وزارة الإعلام وإلغاء مادة التعليم الفني من المناهج التعليمية.

رأي تسانده المخرجة الشابّة لالة كابر التي ترى أن إغلاق دور العرض وتوقّف الدعم والاهتمام الرسمي بالسينما، طيلة عقدين، أدّى إلى تغييب كامل لثقافة الصورة في البلاد، لدرجة أن كثيرين باتوا يخلطون بين المسرح والسينما.
"
تسعى دار السينمائيين الموريتانيين إلى محو الصورة النمطية عن السينما
"
غياب قاعات العرض دفع العديد من السينمائيين إلى إيجاد بدائل أخرى، مثل الساحات العمومية؛ على غرار "ساحة فضاء التنوع البيئي والثقافي"، وسط العاصمة، والتي شيّدوا فيها جداراً واتّخذوه شاشةً لعرض أعمالهم، وسرعان ما استقطبت "الشاشة الإسمنتية" جمهوراً.

يقول السينمائي الطالب ولد سيدي، إن اللجوء إلى الشارع كان الخيار الوحيد في ظلّ انعدام القاعات، مضيفاً أن "العرض خارج القاعة، وسط محيط طبيعي، له نكهة خاصّة، وأصبح متنفّساً لكثير من سكّان نواكشوط".

لم يمنع هذا الجو الخانق من بروز سينمائيين يحاولون تجاوز الأمر الواقع وتقديم تجارب جادّة، من بينهم المخرج عبد الرحمان سيساكو الذي حقّق فيلمه "تمبكتو" نجاحاً لافتاً وحاز عدّة جوائز عالمية ورُشّح للأوسكار. صحيحٌ أن سيساكو راكم تجاربه في فرنسا وليس في بلده الأم، لكن من المؤكّد أن الخبرات المهاجرة بمقدورها أن ترفد الصناعة السينمائية.
نذكر أيضاً الممثّل والمخرج سالم دندو الذي يخوض تجربة إنجاز أوّل فيلم طويل بإمكانات محلية، ومن دون الاستعانة بالتمويل أو الطواقم الفنية الأجنبية.

ووسط هذا المناخ، ظهرت العديد من المبادرات الساعية إلى النهوض بالسينما وإيجاد موطئ قدم لها في المشهد الموريتاني، من دون انتظار تدخّل حكومي لإنقاذ الوضع. من بين تلك المبادرات، "مهرجان نواكشوط الدولي للفيلم القصير"، الذي يشهد عرض أفلام موريتانية وعربية وأجنبية، وإقامة ورشات تدريبية، بهدف تقريب الشباب من السينما وتشجيع محبّيها على ممارستها.

المهرجان تنظّمه، منذ عشر سنوات، "دار السينمائيين الموريتانيين" التي أسّسها المخرج والمسرحي الموريتاني عبد الرحمن أحمد سالم سنة 2002، ويهدف إلى نشر ثقافة الصورة في البلاد، من خلال عروضها في الساحات العمومية عبر شاشات متنقّلة، ونشاط أعضائها، وغالبيتهم من الشباب المتطوّعين، لمحو الصورة النمطية للموريتانيين عن السينما.
يقول مدير المهرجان، محمد ولد إدوم، إن دورة هذه السنة، والتي ستنطلق في 23 تشرين الأوّل/ أكتوبر المقبل وتستمرّ أسبوعاً، ستشهد تنظيم عدد من الورشات التدريبية لفائدة عشرات الشباب، لتعريفهم بأساسيات فنون تصوير الفيديو والمونتاج والإخراج السينمائيين، إضافة إلى ورشات حول صناعة الأفلام الوثائقية وإدارة الممثل وكتابة السيناريو.
يؤكّد ولد إدوم أن الساحة السينمائية في موريتانيا تحتاج إلى بثّ نفَس جديد، مبدياً أمله في الأجيال الجديدة لتشكيل "جيل سينمائي يعي رسالة الفن السابع ويهتم بإيصال أحلامه ورسائله من خلال الصورة"، مضيفاً أن المشاركين في الورشات سيعيشون جوّاً سينمائياً يمهّد لهم الطريق إلى إخراج السينما الموريتانية من غيبوبتها.

المختار محمد يحيى


http://chinguitty.net/article55.html


هل تَخرج السينما في موريتانيا من غربتها الثانية؟

 أحمد ولد جدو

من مظاهر الواقع المقلق في المجال الموريتانيّ العامّ غيابُ السينما وصالاتِها وزخمِها ونقاشاتِها. فالمواطن الموريتانيّ، بكلّ تصنيفاته، ليس في مخطَّطاته الترفيهيّة أو الثقافيّة اليوميّة الذهابُ إلى صالة السينما، أو مشاهدةُ فيلم من إنتاج بلده، وذلك لانعدام الصالات السينمائية في الدولة أصلًا. والمفارقة العجيبة أنّ الوضع في بدايات تأسيس الدولة كان أفضلَ في هذه الناحية من الوضع الآن.

رحلة السينما في موريتانيا

كان أوّل غزَلٍ تقوم به الصورةُ السينمائيّةُ لوجدان الإنسان الموريتانيّ في خمسينيّات القرن المنصرم، وكان غزَلًا فرنسيًّا استعماريًّا، وذلك من خلال بعثات فرنسيّة سيّرتْ سيّاراتٍ تحمل شاشاتِ عرضٍ، لتَعرض الأفلامَ على السكّان، الذين سمّوها “سيّارات العفاريت”!

ثمّ ظهرتْ دُور العرض الأولى في موريتانيا على يد الفرنسيّ غوميز. وحين حصلتْ موريتانيا على استقلالها عن فرنسا، بدأ الجيلُ الذي حكم البلادَ بمحاولة دعم السينما، وبدأ ظهور دُور عرضٍ موريتانيّةٍ يمتلكها موريتانيون. وكان عرّاب ذلك التلاحم مع السينما هو الفنّان همام فال، الذي أسّس العديدَ من دُور السينما، واشترى دُورَ غوميز؛ وتمّ ذلك بمساعدةٍ وإيعازٍ من الرئيس الموريتانيّ آنذاك، المختار ولد داداه.

هذا وقد ساهم همّام، عبر أول دار عرضٍ وطنيّة في العاصمة نواكشوط، “دار المُنى،” وعبر دُورٍ غيرها، في تطبيع علاقة الإنسان الموريتانيّ بالصورة السينمائيّة. فقد كان يستورد الأفلامَ العربيّةَ والأجنبيّة، ويقدّمها إلى المتفرِّج الموريتانيّ. فكانت النتيجة أن وصلتْ دُور العرض الموريتانية في السبعينيّات إلى أربع عشرة.

بعد تلك المحاولات الأولى بدأتْ صناعةُ الصورة السينمائيّة الموريتانيّة، وكانت عن طريق همام فال أيضًا. فقد تعاون مع أوّل متخصّص في التصوير السينمائيّ في موريتانيا، وهو المخرج الراحل محمد السالك، العائد ساعتها من ألمانيا،على إنتاج أفلام عن البلد وواقعه، أهمُّها: “ترجيت” و”ميمونة” و”بدويّ في الحضر.” هذه المحاولاتُ اجتذبت اهتمامَ المواطن الموريتانيّ، حتى إنّ الرئيس ولد داداه وزوجتَه مريم داداه كانا يحضرانها في سينما المنى. ويومها أيضًا تجسّد الدعمُ الحكوميّ للسينما في “المؤسّسة الموريتانيّة للسينما،” التي راحت تعمل على ترقية السينما في البلاد ونشر ثقافة الفرجة، وتُعتبر مريم داداه صاحبة فكرتها.

كانت تلك هي البدايةَ التي جعلت السينما جزءًا من حياة العاصمة نواكشوط. إذ أصبحت الأُسر الموريتانيّة تذهب للاستمتاع بسحر السينما بشكلٍ دوريّ، وظهرتْ بوادرُ حالة مدنيّة في الدولة الوليدة.

لكنّ تلك الحال لم تدم طويلًا. فقد حصلتْ في موريتانيا عدّةُ متغيّرات أربكت المشهدَ العامّ، مثل الجفاف الذي ضرب البلادَ في سبعينيّات القرن المنصرم، وتسبّب في ترييف العاصمة بسبب الهجرات نحوها من سكّان الريف والبوادي بحثًا عن ملاذ. يضاف إلى ذلك دخولُ الدولة في حرب الصحراء، فضلًا عن سلسلةٍ من الانقلابات العسكريّة التي بدأتْ سنة 1978: فأطيح نظامُ المختار ولد داداه، ووَضع الجيشُ يدَه على الحكم والدولة.

هكذا تغيّرت الأولويّات، وضمر الاهتمامُ الرسميّ بالشأن الثقافيّ. فالعسكر كانت لهم أولويّاتٌ أخرى، لم يكن من ضمنها،على ما يبدو، العملُ على وعي الشعب. وسبّب غيابُ الدعم الرسميّ للسينما قيامَ ملّاك الدُّور باستيراد بعض الأفلام الرخيصة من بعض الدول المجاورة حتى يعوّضوا من تكاليفهم الماليّة. لكنّ تلك الموجة أدّت إلى هجران المواطنين للسينما، ووصمِها بالابتذال. فرجعتْ غريبةً كما بدأتْ، شيئًا ذا صبغةٍ شيطانيّة، لتختفي الدُّورُ من الفضاء الموريتانيّ. وفي مقابلة أجرتها صحيفةُ الأخبار الموريتانيّة مع المخرج عبد الرحمن محمد سالم، سرد بعضًا من حكاية التحوّل تلك، فقال:(1)

“لكنّ السينما سرعان ما تخلّت عنها الدولة، وتخلّت عن جانب التنمية وجانب الرعاية. وبدأتْ دُورُ العرض تَعرض أفلامًا رخيصةً، لعامليْن أساسييْن. أوّلًا، لا تكلّف الكثيرَ بالنسبة للموزِّعين، إلّا أنّها مرغوبٌ فيها من طرف شريحةٍ كبيرةٍ من الشباب. فبدأتْ تتدنّى مستوياتُ هذه الأفلام، لدرجة أنّنا وصلنا في مرحلة معيّنة إلى أنّه لا يمكن أن تزور قاعةَ عرضٍ إلّا وتجد 90% من الأفلام المعروضة أفلامًا جنسيّةً خليعة… العامل الثاني هو تخلّي الدولة عن دوْرها حين قرّرتْ أن تسمّي المشْرفين على السينما ‘لجنة مراقبة الأفلام’ بدل أن تسمّيها ‘لجنة ترقية السينما’. فكانت هذه اللجنة مكوّنةً من ضابط شرطة، ومسؤول الهياكل،(2) والحاكم، وأناسٍ بعيدين كلَّ البعد عن الفنّ والسينما.”

صنّاعُ الإبداع في الأرض الطاردة

تُعتبر السينما الموريتانيّة سينما التجارب الذاتيّة غير المترابطة، والخارجة عن الطوق المؤسّسيّ. وعبر تاريخها، ظهر مخرجون صنعوا أفلامًا غلبتْ عليها تيمةُ البحث في الهويّة وقضايا الهجرة،(3) وميّز أصحابَها الابتعادُ عن الوطن والهجرةُ إلى المنافي. وقد برزتْ أفلامٌ موريتانيّةٌ عديدة، خطفتْ أنظارَ الغير، من دون أن تحظى بفرصة العرض السينمائيّ في بلدِ صانعها.

من هذه الأفلام فيلمُ محمد هندو، “جولة في المنابع” (1967)، الذي يعالج إشكاليّةَ العودة إلى الوطن بعد سنوات الجفاء والهجرة؛ إضافة إلى فيلم “أيّتها الشمس” (1969) الذي يتناول قضيّة العبوديّة وارتباطها بالاستعمار. وهندو هاجر من موريتانيا إلى فرنسا بشكل غير شرعيّ، ودرس السينما هناك، وختم مشوارَه بالعمل مدبلجًا باللغة الفرنسيّة للممثّل الأمريكيّ أدي ميرفي.

ومن الأفلام الموريتانيّة التي تركتْ بصمتَها فيلم “الجنسيّات المهاجرة” (1975) للمخرج سيدني سوخنا، الذي فاز سنة 1977 بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان فيسباكو. أمّا المخرج عبد الرحمن سيساقو فهو من أبرز الأسماء التي وضعت السينما الموريتانيّة على الخارطة العالميّة، ومن أبرز أفلامه: “في انتظار السعادة” (2002) الذي فاز بالجائزة الأولى في مهرجان فيسباكو البوركينابي، وحصد جائزةَ مهرجان وغادودغو، أحدِ أهمِّ المهرجانات السينمائيّة في القارة الإفريقيّة. والفيلم عبارة عن سردٍ لسيرة مُخرجه الذاتيّة. أمّا آخر أفلامه، “تمبكتو،” فقد اتُّهم بالترويج للرؤية الفرنسيّة في حربها في شمال مالي، لكنّه يُعتبر من أبرز نجاحات السينما الموريتانيّة، إذ حصد سنة 2015 جائزةَ سيزار لأفضل فيلم، وحصل مخرجُه على جائزة سيزار لأفضل مخرج، ثم وصل إلى القائمة القصيرة لأوسكار أفضل فيلم أجنبيّ. والفيلم يتحدّث عن فترة سيطرة الجماعات المتطرّفة على مدينة تمبكتو العريقة، وحياة سكّانها في ظلّ حكمهم.

هل من أفق؟

على الرغم من نجاحات بعض المخرجين الشخصيّة، فإنّ صناعة الأفلام السينمائيّة الموريتانيّة لا تزال ترواح مكانَها منذ زمنٍ طويل، بل هي تعيش تقهقرًا يوميًّا. فالإنتاج نادر، والدُّور معدومة، رغم محاولات البعث التي يقوم بها بعضُ المهتمّين. ومن أبرز تلك المحاولات تجربةُ “دار السينمائيين،” التي أسّستْها مجموعةٌ من الشباب الموريتانيّ في بداية القرن الحاليّ، وهم يحاولون تقديمَ عروض في العاصمة وبقيّة المدن، وتكوينَ مبدعين في عالم الصورة السينمائيّة.

استطاعت الدارُ جذبَ الكثير من أصحاب الطموح السينمائيّ. وتحاول أيضًا ردمَ فجوة غياب معاهد مختصّة في عالم الفنّ السابع في موريتانيا، وهو ما يُعد خللًا بنيويًّا في صناعة السينما. وقد أطلقت الدارُ قبل سنوات مهرجانًا سينمائيًّا يسمّى اليوم “مهرجان نواكشوط للفيلم القصير.” ويعرض هذا المهرجان أفلامًا من كلّ بقاع الأرض، ومن موريتانيا أيضًا، وكانت السعوديّة ضيفة شرف آخر نسخةٍ منه، النسخة الحادية عشرة. وقد قدّم ورشًا تكوينيّةً حول مجالات صناعة السينما، يشرف عليها مختصّون عرب وغربيّون، ويعطي جوائز في شتّى ملامح الإبداع السينمائيّ. وهذه محاولة جديدة لخلق نوع من الصلح بين المواطن الموريتانيّ والصورة السينمائيّة.

لكنّ هذه المحاولة،على الرغم من مرور عقد عليها، لا تزال وكأنّها في المراحل البدائيّة. صحيح أنّ الجمهور يَحْضر، ويَحْضر بشغف، لكنّ الإنتاجات المحلّيّة المقدّمة (مع بعض الاستثناءات) فقيرةُ الصورة والنصوص والأفكار. ويلاحَظ أيضًا حرقٌ للمراحل، واستعجالٌ، لدى الهواة الموريتانيين، قبل أن يصقلوا مواهبَهم. لكنّ هذا المهرجان يظلّ محاولةً لخلق الفرجة والتلاقي بين المهتمّين بعالم الفنّ السابع.

ومؤخّرًا برزتْ أفلامٌ قصيرة نجح بعضُها في جذب الاهتمام، مثل فيلم “طريق الأمل” للمخرج محمد ولد اشكون، وفيلم “السَّلَفيّ”(4) للمخرج سيدي محمد ولد الشيقر الذي ناقش التطرّفَ الدينيّ بين الشباب. وقد أثار الفيلم الأخير الكثيرَ من الجدل، واتهمه البعضُ بتشويه المحظرة (المدرسة الدينيّة التقليديّة في موريتانيا).

تبقى التجارب التي تجري الآن ذاتيّةً وفرديّةً، أو مجتمعية بسيطة. وهو ما يجعل تأثيرُها محدودًا، على الأقلّ في الأفق القريب. كلُّ ذلك والمؤسّسةُ الرسميّةُ ما تزال تواصل تهميشَ السينما والقطاع الخاصّ كذلك. لكنّ العوائق المؤسّسيّة والبنيويّة ليست وحدها ما قد يعوّق بعثَ الروح في السينما والإبداع في موريتانيا بشكلٍ عامّ، بل هناك أيضًا حالة مقلقة من موجات المحافظة التي تجتاح المجالَ الموريتانيّ.

نواكشوط

1- http://arc.alakhbar.info/4461-0–FA00CFFAB–F5C-C0C-C-.html

2- http://www.ami.mr/Depeche-16752.html

3- http://doc.aljazeera.net/followup/2009/11/2009111091754596433.html

4- http://raseef22.com/politics/2015/08/03/the-debate-about-religion-affecting-terrorism-enters-the-art-field/


مدخل إلى نقد السينما الموريتانية

 

بقلم : المختار محمد يحيى صحفي وباحث

تعتبر السينما في موريتانيا من أهم الفنون التي تنهض بوتيرة متسارعة، وتجد إقبالا منقطع النظير من لدن الذائقة العامة والشبابية بوجه الخصوص، ولقد لعبت دار السينمائيين الموريتانيين منذ إنشائها حتى الآن دورا كبيرا في تثقيف المجتمع الموريتاني ثقافة سينمائية هادفة مليئة بالتوعية الاجتماعية والصحية وحتى الاقتصادية.

وكان عبد الرحمن ولد أحمد سالم رئيس دار السينمائيين في طليعة من تقدموا لتغيير الأفكار النمطية حول السينما في موريتانيا، وتقريبها من المجتمع المحافظ، والمتنوع الثقافات، كما مثل دور محمد ولد أدوم دورا بارزا في بث الاهتمام داخل قلوب الشباب بالفن السابع، حيث أدار عددا من نسخ مهرجان الفلم التي تنظمها دار السينمائيين، والتي اهتمت بكل من فيها من أطر فنيين ومخرجين بإبراز ملامح خصوصية المجتمع الموريتاني، وتنوع ثقافاته وبيئاته، ومن ذلك افتتاحهم لفضاء التنوع الثقافي الذي أصبح يحتضن في كل عام مهرجانا للفلم لمدة أسبوع تحت عناون: الأسبوع الوطني للفلم، وفي هذه السنة طلع علينا مهرجان نواكشوط للفلم القصير، افي نفس الوقت تخليد للذكرى العاشرة لانطلاق الإهتمام بالمنتوج السينمائي الموريتاني الذي اختطته دار السينمائيين بمبادرات فردية تكللت بالنجاح لتحصد الدعم من بعض الهيئات ولتستمر في العطاء.

السينما والواقع .. عند “عبد الرحمن سيساكو” (نموذجا)

من خلال هذه الورقة.. أتمنى أن يفهم ما فيها على أنه محاولة لإثارة بعض المواضيع حول السينما في موريتانيا، وجوانب معالجتها، والخلفيات التي توجهها، وليس النقد ههنا إلا إبراز للمحاسن التي يتمتع بها المنتوج السينمائي، محاولا فهم رموزه، والدلالات التي تبعثها هذه الأعمال، وحسبي أن آخذ مثالا على السينما الموريتانية وقد وجدته في فلم “في انتظار السعادة” لمخرجه عبد الرحمن سيساك والذي شكل بداية الإنتاج وروحا جديدا في القرن 21م، والتي اعتبرتها مرحلة جديدة تحمل بين طياتها نهضة ثقافية سينمائية فنية ليست بالخافية.

عبد الرحمن سيساكو* .. أب السينما الموريتانية الحديثة حيث استطاع بموهبته الفنية العالية أن يكتسب شهرة كبيرة ـ مكنته من أن يشارك في أعمال عالمية ـ وأن يحوز عضوية لجان نقد وتحكيم لمهرجانات سينمائية كبرى إن لم يترأسها، في نفس الوقت تشبث هذا المخرج الأول في موريتانيا بفكر ليبيرالي تحرري اختار من خلاله أن ينتقد الواقع المعاش في بلاده، بدون إخفاء العيوب التي تشوه الواقع فكأنه يقول: “لا مجال للتهرب من الواقع..”.

حكاية الفلم

يحكي الفيلم للمخرج عبد الرحمن سيساكو”في انتظار السعادة” قصة مراهق في السابعة عشرة من عمره يعود من مالي إلى موريتانيا وطنه ليجد والدته تعيش في غرفة صغيرة في أحد أحياء العاصمة الاقتصادية نواذيبو في نفس الحوش تسكن مجموعة من الأجانب إضافة إلى فنانة تقطن الغرفة الملاصقة لتلك التي سيعيش فيها عبد الله مع والدته “سكينة”.

نحن .. والآخر ..!

في بداية فلمه “في انتظار السعادة” يطالعنا “ماكان” (وهو رجل موريتاني ذو بشرة سمراء يعمل عند شاطئ المحيط الأطلسي) يستمع إلى الراديو حيث يطلع على صوت أجنبي يأتي من خلف المحيط، من حيث يعيش الإنسان حياة راقية ، من حيث التقدم العلمي والتكنولوجي، وليس في يد هذا الرجل من ذلك العالم سوى قطعة صغيرة تسمى راديو والتي تمثل في جانبها الإيحائي الطرف “الآخر”، حيث يدفن الرجل جهاز المذياع في مكان ما في كثيب رملي قرب الشاطئ بعد انتهاءه منه، ليعود ويبحث عنه في وقت لاحق ليعجز عن العثور عليه، أي يفتقده … هل يريد المخرج عبد الرحمن سيساقو من خلال هذا المشهد أن يقول إن هؤلاء (العرب والأفارقة… المسلمون) امتلكوا يوما التقنية ولكنهم فقدوها بعد ذلك ..؟ سؤال صعب يجيب عنه المخرج لو حظينا بمقابلته شخصيا. عزلة بين المثقف والمجتمع ..

في فلم عبد الرحمن سيساقو الذي تحت عنوان: “في انتظار السعادة” يصور لنا المخرج صدمة الجيل المتعلم في الغرب والمثقف ثقافة فرنسية حين يرجع إلى موريتانيا ، كما يعود بعد رحلته بعادات ونمط حياة جديد، يجعل حاله مختلفا عن حاله قبل السفر، ويسجل الفلم انعزال هذا الجيل بشكل تام وعدم استطاعته الاندماج في الوسط الشعبي، الذي يعجز عن التواصل معه.

وضعية البنى التحتية يرثى لها ..

الشاب عبد الله المثقف والقادم من الخارج يذهب للمستشفى للفحص ويستغرب الطبيب من الصحة التي تعتريه ، حيث يكتشف الطبيب أنه هو نفسه المريض، ويضجع على السرير المخصص للمرضى بعد أن خلع نعله القديم، في إشارة من المخرج إلى حال مجال الصحة في موريتانيا الذي عانى ويعاني من المرض والهشاشة ومصاب بالتلف لقدم تجهيزاته.

شفقة تدفع إلى مبادرات خير ..!

هؤلاء القادمون من الغرب والمثقفون ثقافة فرنسية يشرعون في نشر وتعليم ما نهلوا من معارف في غربتهم بعد أن رأوا التخلف والجهل الذي يعم مواطنيهم، ويمثل ذلك تعليم “عبد الله” للصغير “خطره” تهجي اللغة الفرنسية، والذي صوره لنا المخرج بطريقة فنية بالغة الدقة.

كذلك يهتم المخرج بإبراز المبادرات الشخصية للحفاظ على التراث من خلال تصوير بعض صور الفن التقليدي الموريتاني “الهول” في خيمة “النعمة بنت الشويخ” وهي تعلم فتاة حديثة السن كيفية الغناء، وفي يدها الأداة الموسيقية النسائية ذات الأوتار المسماة “آردين”.

المغتربون يسأمون من الاغتراب.. لكن لا بديل ..!

عبد الله يسأم من حياة الغربة حين يغادر بيت فرنسي (في نواذيبو) يقدم له الخمر ويفتح له التلفاز على برنامج ثقافي باللغة الفرنسية، يرفض عبد الله العودة من جديد وداخل بلده للإحساس بشعور الغربة، وهو يعيشها في وطنه، ويسعى عبد الله جاهدا إلى الاندماج في مجتمعه و وطنه لكن دون فائدة.

استيراد للوعي .. !

يحاول “معطى” وابنه “خطرة” (وهما يعملان في صيانة كهرباء المنازل) استيراد الكهرباء من غرفة مجاورة للغرفة التي يسكن بها عبد الله و والدته، حيث يريد عبد الله أن يحظى بضوء يستطيع من خلاله مطالعة الكتب، وتريد والدته أن يكون الضوء على الأقل مفرجا عنه وحدته التي يعيشها داخل وطنه، والضوء يرمز به المخرج عبد الرحمن سيساكو للوعي.

كأن المخرج يريد من خلال محاولة “معطى” استيراد الكهرباء من الغرفة المجاورة الإشارة بشيء من الرمز إلى محاولة الجيل الأول ـ والذي يمثله هنا الكهربائي معطى ـ استيراد الوعي والتقنية والمعرفة … إلخ، لكن المخرج يحول تلك المحاولة إلى نتيجة سلبية تكون الفشل وفقدان الأمل حين يحتار معطى من عدم اتقاد المصباح الذي تأكد من صحة تركيبه ومن جودته، في حين يحاول الطفل “خطرة” إقناع والده معطى بأن المصباح “حتما سيضيء”، مؤكدا له أن عليه “تكرار المحاولة”، لكن أي من محاولات خطرة لا تجد آذانا صاغية.

اليأس وفقدان الأمل لدى الأجيال السابقة..

وهنا يشير المخرج إلى انعدام الأمل الذي أصاب الجيل الأول الذي أسس الدولة ولم يكمل المسيرة في أن يطور ويبني البلاد لتدخل باب التنمية من أوسع أبوابه، بينما هناك من الجيل الصاعد (والذي يمثله في الفلم الطفل خطرة) من يتملكه الحماس ويسعى بأمل من أجل إصلاح الأخطاء وإنجاح وتطوير الخطط التي رسمها الآباء.

العجب والانبهار بالقشور المستوردة

وفي الفلم رسم من خلال الصورة السينمائية لواقع الانبهار بقشور الثقافة الغربية فـ “ماكان” و وصديقه يستلمان هديتين من صديقهما الصيني والذي يعمل بائعا متجولا في شوارع العاصمة الاقتصادية نواذيبو، وتكون الهدايا ألعاب أطفال، يصورها الفلم على أنها ـ في موريتانيا ـ شيء عظيم يستحق أن ينبهر به الكبار، إما لأنهم لم يلعبوا قط.! أم أنهم لم يروا مثل هذه الألعاب والتي يرونها تحفا.

الهجرة إلى أوروبا

كما أن الفلم يصور لنا حال الشباب المغرم بالهجرة إلى أوروبا بسبب ما يعاني منه في وطنه من البطالة وقلة الخيارات المطروحة أمامه، فيقرر الشاب الأسمر “عمر” أن يهاجر عن طريق غير شرعية إلى إسبانيا، فيصدم صديقه العزيز “ماكان” حين تجد الشرطة جثته بعد يوم ملقية على ضفة شاطئ المحيط بسبب غرق المركب الذي كان يقله.

اقتصاد منهك..

ومما ينتقد الفلم من واقع موريتانيا ضعف الاقتصاد المحلي وتدني قيمة الأوقية الموريتانية، وليست الصورة التي قدمها المخرج قاصرة عن إيصال تلك الفكرة من خلال ثنائية التمثيل والتلقي، حين تفكك كرموز دالة، فنحن نرى في الصورة الطفل “خطرة” يلعب بورقة من فئة 1000 أوقية، والتي تفقد قيمتها مباشرة حين يسقط “الخيط الأخضر” والذي يصل بين قطبي الورقة، مما يعرض الصبي للتوبيخ من طرف والده “معطى”، وفي هذا دلالة على ضعف العملة وبالتالي هشاشة الاقتصاد تبعا لذلك.

ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ

(*) ـ المخرج عبد الرحمن سيساكو موريتاني من مواليد 13 أكتوبر 1961 عاش طفولته في مالي وعاد إلى موريتانيا ثم غادر إلى موسكو، حيث درس السينما في VGIK (معهد جرازيموف للسينما) من عام 1983 إلى عام 1989، ثم استقر في فرنسا ابتداء من 1990.

هو مخرج سينمائي ومنتج عمل كثيرا في مالي وفرنسا، جنبا إلى جنب مع عثمان سمبين، سليمان سيسي، وإدريسا وادروجو، وهم من المخرجين القلائل في إفريقيا الذين وصلوا إلى العالمية. عرض فيلمه في انتظار السعادة في مهرجان كان 2002، حصل فلم باماكو عام 2007 على الكثير من التقدير، شارك سيساكو كعضو لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي في عام 2007، معظم أفلامه تتضمن موضوعات عن العولمة والنفي والتشريد، أول أفلامه اللعبة عام 1989. وشارك في عام 2007 ضمن عدد من المخرجين في الفلم الجماعي حكايات عن حقوق الإنسان، وشارك مؤخرا في مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية في دورته الأولى 2012 كعضو لجنة التحكيم في مسابقة الأفلام الطويلة والتي بلغت 16 فلما.


https://arabliss.wordpress.com/2012/10/29/%D9%85%D8%AF%D8%AE%D9%84-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%86%D9%82%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D9%86%D9%85%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%E2%80%AB%D9%85%D9%88/

السينما في موريتانيا وقصة سيارة العفاريت

 

في الخمسينيات من القرن الماضي تلقّت عيون الشعب الموريتاني أول صورة سينمائية، وذلك عن طريق بعثات فرنسية رحالة كانت تحمل شاشات وتجوب بوادي موريتانيا لتنقل سحر الصورة إلى مجتمع بدوي. كان الموريتاني يسمّي هذا القادم الجديد "سيارة العفاريت". في ما بعد انطلقت رحلة السينما الوطنية.

سينما غير رحّالة

لم يمضِ وقت طويل على تسيير "سيارات العفاريت" حتى ظهرت أول دار عرض سينمائية في موريتانيا. تم ذلك على يد المواطن الفرنسي "غوميز". ثم بعد فترة من الاستقلال، عام 1960، كسب هذا الفن اهتماماً محلياً وسياسياً. يقول المخرج والممثل سالم دندو، رئيس اتحاد السينمائيين الموريتانيين، لرصيف22: "بدأت السينما في موريتانيا بعد تأسيس الدولة الموريتانية واستقلالها، وكان ذلك في منتصف السبعينيات على يد الشاعر ورجل الأعمال والسينمائي همام أفال الذي نافس المستثمر الفرنسي "غوميز"، صاحب أول دار عرض سينمائية بمعايير دولية".

ويروي دندو أن "السيد همام افتتح، بإيعاز من السيدة الأولى آنذاك، مريم داداه، زوجة الرئيس الموريتاني المختار ولد داداه أول رئيس لموريتانيا، أول قاعة سينما وطنية في قلب العاصمة الموريتانية نواكشوط".

حملت القاعة اسم "المنى" وأخذت تستورد الأفلام العربية. وفي ما بعد، أسّس سينما "الجُوّاد" بالقرب من قاعة غوميز، وهذا ما أرغم الأخير على بيع قاعاته لهمام. صار همّام المستثمر الوحيد في القطاع، وبنى 9 قاعات في نواكشوط وحدها بالإضافة إلى بعض القاعات في الولايات الداخلية.

وعن الانتاج السينمائي، يقول دندو أن همّام "بدأ يفكر في الإنتاج السينمائي، فأنتج أفلاماً بالتعاقد مع مخرجين كمحمد ولد السالك العائد من ألمانيا". وكانت دفعات من الشباب الموريتانيين قد غادرت البلاد للدراسة في المعاهد الأوروبية.

في نهاية السبعينات، شهدت موريتانيا سلسلة انقلابات سياسية. عن تلك المرحلة يقول دندو أن تغييرات ثقافية رافقت الإنقلابات فـ"تراجع الاهتمام بالشأن الثقافي والفني وانحسر الدعم الرسمي لقطاع السينما ما دفع بالقائمين على القاعات للجوء إلى كل السبل من أجل تغطية التكاليف. بدأت عملية استيراد الأفلام الرخيصة من السوق السنغالية المجاورة، وهو ما جعل الجمهور يتراجع عن حبه للفن السابع بسبب ضحالة المستوى المقدم. وبدأت تعود إلى الأذهان السمعة السيئة التي كانت راسخة في ذهن المجتمع عن الفنون بصفة عامة والسينما بصفة خاصة. ثم مع بداية الثمانينيات ظهر التلفزيون الذي ساهم هو أيضاً في القضاء على دور العرض السينمائي".

مخرجون وأفلام

تتميز السينما الموريتانية بأنها سينما تجارب ذاتية من دون دعم مؤسساتي. برغم ذلك، برزت مجموعة من المخرجين والأفلام التي تركت أثراً هاماً في السينما العالمية وغلبت على مواضيعها قصة المواطن المهاجر والحالم بالعودة إلى الوطن. ومن أبرز المخرجين:

محمد هندو

هو شاب موريتاني هاجر بطريقة غير شرعية بحثاً عن فرصة عيش أفضل ووجد نفسه فجأة على خشبة المسرح الفرنسي. ثم، وبعد دراسته السينما، قرّر خوض غمار الفن السابع مخرجاً.

تمحورت مواضيع أفلامه حول قضايا الهجرة والعنصرية والتمييز وسكنته أزمات القارة الإفريقية. تركت أفلامه بصمة قوية في السينما الإفريقية. ومن أهم أفلامه "جولة في المنابع" (1967) الذي عالج إشكالية العودة إلى الوطن بعد سنوات الهجرة الطويلة و"أيتها الشمس" (1969)، وهو أشهر أفلامه، وقد عالج فيه قضية الرق والعبودية، وله أيضا أفلام أخرى مثل: "العرب والزنوج أو جيرانكم"، "وطني" (1998) و"فاطمه" (2004). انتهى المطاف بمحمد هندو إلى عيش بقية عمره في فرنسا وإلى تحوّله مدبلجاً لصوت الكوميدي الأمريكي إدي مورفي.

download (2) 

عبد الرحمن سيساقو

ولد سيساقو في مدينة كيفة الموريتانية سنة 1961. درس السينما في الإتحاد السوفياتي ليبزغ نجمه منذ تخرجه. وبعد عرض فيلم تخرجه "اللعبة" (1989) في مهرجان كان السينمائي، أصبح أحد أبناء المهرجان المدللين وشارك فيه أكثر من مرة واختير، عام 2007، عضواً في لجنته التحكيمية. كذلك كُرّم في عدد من المهرجانات الدولية مثل مهرجان برلين السينمائي، ومهرجاني القاهرة ودبي.

أخرج سيساقو أفلاماً عدّة حجزت لنفسها مكاناً في الذاكرة الموريتانية. لعلّ أبرزها هو فيلم "في انتظار السعادة" (2002) الذي فاز بجائزة الجمهور في مهرجان كان والذي خطف الجائزة الأولى في مهرجان فيسباكو السينمائي (في عاصمة بوركينا فاسو) وفي مهرجان غادوغو وهو أحد أهم المهرجانات السينمائية في إفريقيا.

السينما حلم موريتاني أيضا

 منذ صغري وأنا أحلم ان أقطع تذكرة لفلم موريتاني في دار عرض موريتانية وأشاهد جملا سينمائية تعبر عن واقعنا المؤلم وتخرج للعالم جمال طبيعتنا العذري ...جملا تجابه تقاليدنا البالية وتفضح ممارستنا المشينة ...جملا تصدمنا من أجل علاجنا من أمراضنا المجتمعية ...أحلم بأن أرى سينما تحمل فكرا تغيريا ينير للمواطن البسيط طريقه وتبعث فيه روح التوق إلى الإنعتاق وأخذ الحق مثل ماحدث في مصر مثلا...



وأكثر ما يحز في نفسي هو إضطرار كل من يحلم بان يقدم تجربة سينمائية محترمة إلى الهروب إلى أحد المنافي الاختيارية .كذالك غياب دور السينما فاَخر تلك الدور التي كانت موجودة تحولت إلى عمارة لم يكتمل بنيانها إلى الآن ...تلك الدار التي زرتها اَخر مرة وخرجت مصابا بالزكام والغثيان وذالك لنتانة رائحة الممر المؤدي إلى قاعة السينما ورداءة الفيلم الهندي المعروض فيها وسفالة الجمهور الملتصق بكراسيها ...

أيضا أشعر بالغيرة من الأجيال التي سبقتنا خاصة قبل أن يحكم العسكر بلادنا المسحورة حين كانوا يذهبون لقاعات السينما كعائلات وأصدقاء يشاهدون أفلام محترمه - بعضها موريتاني -في قاعات سينمائية موريتانية محترمة حيث بلغ عدد دور السينما في موريتانيا في تلك الفترة 14 ... و أتحسردائما على ذالك الزمن الذي كان فيه الرئيس أحد رواد دور السينما حيث كان هناك مقاعد مخصصة في سينما المنى للرئيس الراحل المختار ولد داداه وزوجته مريم داداه.

وهذه بعض أسماء تلك الدور التي كانت مصدر إشعاع حضاري واندثرت في زمن الرداءة (كوميز) بتيارت (لجواد) لكصر (تيارت) تيارت (السلام) الميناء (ميناء الفن) الميناء (السعادة) السبخة (الأنصار (تفرغ زينه) (المنى) تفرغ زينه (الوازيز) تفرغ زينه (توجنين) توجنين (بوحديده) بوحديده." تلك الدور التي أظن أن الكثير من الموريتانيين يشعرون نحوها بنوع من النوستالجيا .

وهنا سأحاول التفاعل مع تجربة موريتانيا السينمائية وذالك بمناسبة مهرجان نواكشوط للفيلم القصيروالذي ستبدأ فعاليته مساء اليوم الثلاثاء 23-10-2012.
ذالك المهرجان الذي رغم بدائية الأفلام التي قدمت فيه في السنوات الماضية إلا أنه جعلني أشعر أنه بإمكاني أن أشاهد أفلاما موريتانية مكتملة العناصر في دور سينما موريتانية ذالك يوم .

خلفية عن سينما موريتانيا ونقاطها المضيئة :

في البداية لا يمكننا القول أنه هناك سينما موريتانية بل هناك تجارب سينمائية موريتانية تتفاوت من حيث الجودة ولكن يمكن التأكيد أنه هناك عشاق لهذا الفن الاَسر للألباب.وقد بدأت علاقة الإنسان الموريتاني مع الصورة في بداية الخمسينات وذالك من خلال بعثات رحالة قامت بها فرق فرنسية تحمل شاشات سينمائية جابت العديد من البوادي الموريتانية من أجل إشراك هذا المجتمع البدوي في سحر الصورة الأخاذ وقد أطلق الإنسان الموريتاني على الشاحنات التي كانت تأتيهم بشاشات السينما"سيارة العفاريت".

وكان أول ظهور لدور السينما في موريتانيا على يد رجل فرنسي يدعى "غوميز" وذالك في نهاية حقبة الخمسينات .

وفي عام 1960 ظهر "همام " ذالك الرجل الذي سحرته السينما وحاول بدوره أن يساهم في إشاعة هذا الفن في موريتانيا حيث قام بتأسيس بعض دور السينما في نواكشوط فبدأ بشراء سينما "غوميز".كذالك قام بالمبادرة بإنتاج أعمال سينمائية قد لا ترتقى لتكون أعمالا احترافية إلا أنها استطاعت أن تقدم لمحة عن موريتانيا في تلك الفترة وأن تروج لثقافة الصورة وهذه الأفلام هي "ميمونة" و"بدوي في الحضر و"ترجيت".

وبعد مرحلة التأسيس ظهر جيل درس في الشمال فنون السينما لكن عدم وجود جو ملائم لصنع سينما موريتانية في أرض الوطن قرر الاستقرار في المهجر سأسرد قصص بعضهم :

محمد هندو:

محمد هندو ذالك الشاب الأسمر الذي غادر موريتانيا إلى فرنسا بطريقة غير شرعية وتقاذفته الأقدار حيث عمل طباخا وحمالا إلى أن وجد فرصة ألحقته بخشبة المسرح الفرنسي كذالك قام بدراسة السينما على نفقته الخاصة ...وقدم تجارب سينمائية رصدت معانات المهاجرين الأفارقة في فرنسا و تركت أفلامه بصمة في السينما العالمية حيث أحدثت ضجة واسعة ليس على المستوى العربي والأفريقي و حسب ، وإنما على مستوى السينما العالمية حيث نال الكثير من الجوائز في المهرجانات العالمية وهذه أشهر أفلامه:

Image removed. جولة في المنابع، 1967" -"أيتها الشمس، 1969" . "كل مكان ولا مكان، 1969" "جيراني، 1973"؛

""العرب والزنوج أو جيرانكم، 1973"البوليساريو.. شعب مسلح، 1978"؛
"ساراوينا، 1986"؛ "ضوء أسود، 1994"؛ "وطني، 1998"؛ "فاطمه، 2004"
ويعيش ويعمل "محمد هندو" الاَن في فرنسا مدبلجا لصوت الكوميدي الأمريكي "أدي ميرفي"..

عبد الرحمن سيساكو :

أثناء زيارة لي لكينيا كنت أعاني حين أقول أنني موريتانيا فالكل يبدوعلى وجهه التعجب من هذا الاسم ويقول أين هي موريتانيا ؟.لكن هناك مفاتيح فتحت لي باب التعريف ببلدي وهي أن أقول أن فلان من موريتانيا وهو مافعلته مع إحدى البريطانيات التي سألت أين هي موريتانيا ؟فقلت لها هل تعرفين عبد الرحمن سيساكو ؟ فقالت: نعم ...فرددت أنا :"هو من بلدي ".

هذه مجرد مقدمة لأقول أن هناك شخصيات تكون مشهورة أكثر من بلدانها وتجد التقديرفي أصقاع الأرض لإبداعها ومن بين تلك الشخصيات عبد الرحمن سيساكو. ذالك الفتى الموريتاني الذي ولد في مدينة كيفه الموريتانية، وتربى في العاصمة المالية باماكو وحملته الصدفة لدراسة السينما في الإتحاد السوفيتي -روسيا حاليا - حيث رجع إلى وطنه موريتانيا عام 1980وكان كثير التردد على المركز الثقافي الروسي إلى أن عرض عليه مدير المركز منحة للدراسة في روسيا وصادفة أن تكون المنحة لدراسة السينما .

ذالك الفتى الذي استطاع أن يدخل بفلم تخرجه للمسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي وهو الإنجاز الذي حقق أكثر من مرة حتى أنه أختير كعضو لجنة تحيكم للمهرجان في دورة 2007...كذالك فاز سنة 2005 بالجائزة الأولى في مهرجان فيسباكو السينمائي، الذي يقام في العاصمة البركنابية وغادوغو، والذي يعتبر أهم مهرجان سينمائي في إفريقيا ، عن فلمه "في انتظار السعادة"، الفيلم نفسه الذي فاز بجائزة الجمهور في مهرجان "كان" العريق ، كذالك استطاع سيساكو من خلال تجربته السينمائية حصد عديد الجوائز والتكريمات في الكثير من المهرجانات المهمة ، كمهرجان برلين السينمائي، ومهرجان القاهرة، ودبي، وقرطاج .

وقدم سيساقو عديد التجارب السينمائية المتميزة أذكر منها :

"اللعبة، 1989""أكتوبر، 1993" "الجمل والعصا المترنحة، 1996""صبرية، 1997""روستوف – لوندا، 1997""الحياة على الأرض، 2000" "في انتظار السعادة، 2002"

وأخر أفلامه هو " باماكو" المثير للجدل والذي يقدم فيه محاكمة صورية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي باستغلالهما الفظيع لاحتياج الدول الإفريقية إلى القروض.

كذالك قام سيساكو بتأسيس شركة للإنتاج في باريس تحمل اسم (شنقيط فيلم) , وقام من خلالها بإنتاج أعمال لمخرجين أفارقة من السنغال وتشاد والبنين ولآخرين من أرمينيا وإيران أيضا عرف بمساعدته للطامحين لولوج عالم الفن السابع من الموريتانيين وذالك من خلال علاقاته الواسعة .

ورغم أن موريتانيا تمتلك مخرجين صنعوا تجارب سينمائية مميزة إلا أن أفلامهم لم تعرض إلى الاَن في دور عرض موريتانية وذالك لاندثار هذه الدور كما أشرت سابقا .ذالك الاندثار الذي قال لي المخرج الموريتاني عبد الرحمن أحمد سالم العاشق للسينما في لقاء سابق جمعني معه أن سببه هو أنه في فترة الثمانينات بدأ ملاك تلك الدور برشوة المشرفين على الوكالة الموريتانية للسينما من أجل السماح لهم بجلب أفلام رخصية "إباحية" وعرضها وهو ماسبب عزوف المواطنين عنها خاصة أنه في تلك الفترة انتشرت محلات الفيديو التي تعرض تلك الأفلام بأسعار أرخص ...كذالك تم إنشاء التلفزيون الموريتاني الذي شد إنتباه جمهور الصالات السينمائية.

لكن المخرج عبد الرحمن ولد أحمد سالم قال لي في نفس اللقاء أنهم يسعون في دار السينمائيين إلى خلق مجموعة من دور العرض الصغيرة في موريتانيا من أجل إشاعة ثقافة الفرجة السينمائية .

ويجب التنويه بالدور الذي تلعبه هذه الدار منذ سنوات في تكوين العديد من السينمائيين الموريتانيين بتنظيم ورش ودورات في شتى مجالات العمل السينمائي. كذالك أنتجت العديد من الأشرطة السينمائية للهواة والمحترفين شارك بعضها في مهرجانات دولية . أيضا تقوم بتنظبم قافلة سينمائية تسميها "الشاشة الرحالة" تجوب بها طول موريتانيا وعرضها لعرض أفلام للبدو الرحل وقاطني الأرياف والمناطق النائية المحرومين من الصورة من أجل إشاعة هذا الفن والتعريف به .كذالك أطلقت منذ سنوات أسبوع الفيلم الموريتاني والذي ساهم نوعا ما في نشر الفرجة السينمائية والتعريف بإنتاج الهواة من عشاق السينما وقدم أفلام أجنية وعربية وأستضاف عديد الشخصيات المهمة في عالم الفن السابع .

مهرجان نواكشوط للفيلم القصير :

هو حكاية سينمائية موريتانية دخلت عامها السابع و يعد خطوة جديدة ومهمة في مسار السينما الموريتانية ...حيث يسعى منظموه أن تكون هذه النسخة نقلة نوعية في تاريخ السينما الموريتانية .وذالك حسب مديره المخرج والشاعر الموريتاني الموريتاني" محمد ولد إدومو" الذي إلتقيت به الليلة قبل إنطلاق المهرجان وأثناء وضع اللمسات الأخيرة على حفل إفتتاحه وتحدثت معه حول الجديد الذي سيقدمونه هذا العام .

حيث حدثني عن سبب تغيير إسم المهرجان من" أسبوع الفيلم الموريتاني "إلى " مهرجان نواكشوط للفيلم القصير" والذي قال أنه جاء لأن المهرجان لم يعد مجرد أسبوع للفيلم الموريتاني فهو أصبح يحمل الطابع الدولي وذالك لتعدد الدول المشاركة فيه. حيث تشارك فيه هذه السنة ثمان دول إلى جانب موريتانيا وهي دول المغرب العربي وبوركينا فاسو ومصر وفرنسا ...أيضا قرروا أن يكون مختصا في الأفلام القصيرة وذالك لأن هذا زمن المهرجانات المختصة كذالك أن موريتانيا لاتوجد فيها صناعة للأفلام الروائية الطويلة .

أيضا قال أنه ستمثل موريتانيا في المسابقة الدولية للمهرجان بفلم من إنتاج مشترك بينها وتونس والسعودية وهو فيلم "أزهارالتيويليت " تلك المسابقة التي يشارك فيها ثمانية أفلام .

وأكد لي زيادة كم الأفلام الموريتانية المشاركة في المهرجان أيضا تطور مستواها عن الدورات السابقة أيضا سيكون من بين مسابقات المهرجان واحدة خاصة بالهواة الموريتانيين .

كذالك وكتكريم من المهرجان لدور المرأة في صناعة السينما الموريتانية سيعطى المهرجان فرصة للسينمائيات الموريتانيات من أجل إظهار إبداعاتهم على هامش المهرجان وعقد ندوات حول تجاربهم السينمائية .

أيضا سيقدم المهرجان ثلاث ورش في الإخراج والكاميرا وكتابة السيناريوبالعربية والفرنسية. أيضا ستضم فعالياته نشاطا إسمه البطاقة البيضاء ستقدم خلاله أفلام روائية طويلة .

ويستضيف المهرجان كوكبة من صناع السينما والأفلام الوثائقية والمختصين في عالم الإعلام أذكر منهم:

د.محمد سعيد محفوظ من مصر

وسيم القربي مخرج من تونس

فليب أنجلو مخرج فرنسي

جان فرانسوا مخرج فرنسي.

وتجدر الإشارة إلى أن المهرجان إنطلق بمجودات شخصية وغياب تام لدعم الدولة منذ سنين ككل الفعاليات السينمائية في موريتانيا ...فحكاية السينما في موريتانيا باختصار هي مجهود شخصي يقوم به عشاق هذا الفن ويتوقف برحيلهم أو عجزهم عن المواصلة ...الأمر الذي أدى إلى عدم وجود صناعة حقيقية لها واختصارها على الانجازات الفردية .

أحمد ولد جدو


https://culture.gov.mr/index.php/ar/node/64

عبد الرحمن أحمد سالم : السينما الموريتانية في حالة نهوض

 حدث عبد الرحمن احمد سالم مدير دار السينما في موريتانيا لـ "كافيه شو" في فقرة "خمس دقائق" عن السينما في موريتانيا وأهم المشاكل والتحديات الإدارية والقانونية والفنية التي تعيق تقدمها، كما تحدث عن النجاح الأخير الذي حققه الفيلم الموريتاني "تمبكتو" في مهرجان كان السينمائي حيث حصل على جائزة الأوسكار للأفلام القصيرة، مؤكدا على نهوض السينما الموريتانية.


https://www.mc-doualiya.com/programs/hot-coffe-mcd/20141230-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AD%D9%85%D9%86-%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%B3%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D9%86%D9%85%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9


مباشر مع المخرج عبد الرحمن أحمد سالم( فيديو)

https://youtu.be/QkqNm-Nh_j8

رسالة سيدي الحاج المشري إلى أنصار الدين والصادقات والمستعدات: شرط كل المطلوب صلاح القلوب

                رسالة سيدي الحاج المشري  إلى أنصار الدين والصادقات والمستعدات   شرط كل المطلوب صلاح القلوب   ١٣ يناير ٢٠٢٠      بسم الله الر...